أحمد مصطفى المراغي

65

تفسير المراغي

فإنما إثم كذبه عليه دونكم ، وإن يك صادقا في قيله ذلك أصابكم الذي أوعدكم به من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون ، فلا حاجة بكم إلى قتله فتسخطوا ربكم سخطين : سخطا على الكفر ، وسخطا على قتل رسوله . وفي قوله : بعض الذي يعدكم - مبالغة في التحذير ، فإنه إذا حذرهم من بعض العذاب أفاد أنه مهلك مخوف فما بال كله ؟ إلى ما فيه من الإنصاف وإظهار عدم التعصب . ( 2 ) ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) أي إنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه ، ولما عاضده بتلك المعجزات ، إلى أنه لو كان كذلك لخذله وأهلكه ، فلا حاجة لكم إلى قتله . وفي هذا تعريض بفرعون بأنه مسرف في القتل والفساد ، كذاب في ادعاء الربوبية ، لا يهديه اللّه إلى سبيل الرشاد ، ولا يلهمه طريق الخير والفلاح . ( 3 ) ( يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا ؟ ) أي يا قوم قد علوتم الناس وقهرتموهم ، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ، ولا تتعرضوا لبأس اللّه وعذابه بقتله ، فإنه لا قبل لكم به ، وإن جاءنا لم يمنعه عنا أحد . وفي قوله : ينصرنا وجاءنا ، تطييب لقلوبهم ، وإيذان بأنه ناصح لهم ، ساع في تحصيل ما يجديهم ، ودفع ما يرديهم ، سعيه في حق نفسه ، ليتأثروا بنصحه . ولما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين ، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكا يكون فيه جلب النفع لهم ودفع الضر عنهم كما حكى سبحانه عنه بقوله : ( قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ) أي قال فرعون مجيبا هذا المؤمن الناهي عن قتل موسى : لا أشير عليكم برأي سوى ما ذكرته من وجوب قتله حسما للفتنة ، وإني لأرى أن هذا هو سبيل الرشاد والصلاح ، ولا أعدّ غير هذا صوابا .